علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

154

شرح جمل الزجاجي

وإذا تبيّن أنّ " مذ " الغالب عليها الاسمية ، وأنّ " منذ " الغالب عليها الحرفية ، فينبغي أن تبيّن نسبة اللغات . فجميع العرب تتكلم ب " مذ " المحذوفة من " منذ " ، ولا يتكلم ب " منذ " إلّا أهل الحجاز خاصة . فأهل الحجاز يتكلمون ب " مذ " و " منذ " وغيرهم لا يعرفون منذ . ف " مذ " في جميع لغات العرب تجرّ الحال ، وبنو تميم يرفعون بها الماضي ولا يجيزون فيها الجر ، وأهل الحجاز يجرون بها الماضي وبعضهم يرفع بها الماضي . و " منذ " لا يتكلم بها إلّا الحجازيون خاصة فهي عندهم تجرّ الحال ، والماضي عندهم مجرور ، وبعضهم يرفعه ، فحصل بهذا أنّ " مذ " الغالب عليها الاسمية ، لأنّ بني تميم لا يجيزون في الماضي معها إلّا الرفع وبعض الحجازيين يرفع بها . فالغالب فيها الاسمية . و " منذ " لا يتكلّم بها إلّا الحجازيون ، وهي جارة للحال أبدا ، وتجرّ الماضي عند أكثرهم ، والأقل هو الذي يرفع بها الماضي ، فقد ثبت ما قلنا . * * * واعلم أنّهما لا يخلو أن يقع قبلهما الفعل المنفيّ أو غيره . فإن كان المنفيّ فلا تفصيل فيه ، وكل منفيّ جائز أن يقع قبلهما ، فتقول : " ما رأيته منذ يومنا ، أو منذ ثلاثة أيام أو منذ يوم الجمعة " . وإن وقع قبلهما غير المنفيّ فلا بدّ أن يكون ذلك الفعل متطاولا ممتدا ، وإلّا لم يجز ، فتقول : " سرت مذ يوم الجمعة " ، لأنّ السير متّصل إلى حين الإخبار ، ولو قلت : " قتلت عمرا منذ يوم الجمعة " ، لم يجز لأنّ القتل لا يمتدّ إلى حين الإخبار ، فإن أردت أنّ هذا القتل نوع مما يمتدّ جاز . وكذلك فيما هو الحال لا يجوز ، فلا يجوز أن تقول : " قتلته مذ يومنا " ، لأنّ معناه : في يومنا ، والقتل لا يمتد في اليوم أجمع ، وإنّما يكون في جزء منه . وسبب ذلك أنّ " مذ " إنّما تكون أبدا داخلة على ماض أو حال . فالحال يكون فيه بمنزلة " في " ، فيقول : " ما رأيته في يومنا " ، فهو لم يره في جزء من اليوم . وإذا قلت : " سرت مذ يومنا " ، فالسير في جملة اليوم بخلاف قولك : " سرت في اليوم " . فهي مع المنفيّ توافق سائر الظروف من أنّ الفعل لم يقع في جزء من اليوم ومع الموجب تخالف ، لأنّك إذا قلت : " سرت اليوم " ، أمكن أن يكون السير في بعض اليوم ،